| . عظة البطريرك في أحد بشارة العذراء مريم |
|
"أنا أمةُ الربّ. فليكن لي حسب قولك" (لو 2: 48) 1. البشارة لمريم العذراء، إبنة الناصرة، المخطوبة ليوسف من سلالة داود، هي تحقيقُ عهد الخلاص الذي قَطَعَه اللهُ مع البشر، وظلَّ أميناً له على مدى الأجيال. إنَّ قبولَ مريم لإرادة الله وتصميمِه بكلمة "نعم" دخولٌ في العهدِ الخلاصي، ونموذجٌ لكل إنسان في كيف يقبلُ نداء الله له، ويُعطي جوابَ طاعةِ الايمان، ويكونُ وفياً لعهد الله معه، ولأي عهدٍ يقطعه في الحياة، في العائلة والكنيسة والمجتمع والوطن. نأمل أن يكونَ جوابُ مريم جوابَ كلِّ واحدٍ منّا، وجوابَ الجماعة: "أنا أمةُ الرب. فليكن لي حسب قولك". 2. يسعدنا اليوم أن نحتفل مع رهبانية الوردية في لبنان بعيد مؤسِّستها الطوباوية ماري ألفونسين، وأن نرحِّب بالراهبات وبالجماعات المرتبطة بها على المستوى التربوي والاستشفائي والاجتماعي والراعوي، وبكل الذين توافدوا للمشاركة في هذا الاحتفال. فلهم منّا التهنئة بالعيد، راجين لجمعية راهبات الوردية، بشفاعة مؤسِّستها، النموّ الروحي والازدهار الرسولي، ولجميع الحاضرين ما يحتاجون إليه من خير ونِعَم، لخلاصهم وسلامة العيش. 3. ويسعدنا أن يُشارِك معنا أيضاً برلمانيّون أوروبيّون ولبنانيون وشرق أوسطيون شاركوا في المؤتمر الذي عقدوه في اليومَين الأخيرَين، في جامعة الروح القدس، الكسليك، بعنوان: "مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط: خطوة نحو الحرية الدينية". لقد نظّمه ودعا إليه برلمانيون من البرلمان الأوروبي، والجمعية البرلمانية لمجلس شورى أوروبا، وبرلمانيون من لبنان والشرق الأوسط، وأعضاء في لجنة مجلس مطارنة الاتحاد الأوروبي. J’ai le plaisir de saluer les Ambassadeurs et les chers amis parlementaires venus de l’Europe et du monde Arabe qui viennent de clôture les travaux du Colloque intitulé: «L’avenir des chrétiens au Moyen-Orient, un pas vers la liberté religieuse». Merci d’avoir consacré ces deux derniers jours pour réfléchir ensemble sur un thème d’importance régionale et internationale. Nous vous sommes profondément reconnaissants. Ayant choisi l’Université St. Esprit de Kaslik pour tenir ce Colloque, j’ai pu participer à la cérémonie d’inaugurations et présenter une collaboration sur le thème: «Enjeux et défis de la présence chrétienne au Moyen-Orient», auxquels nous faisons face dans nos sociétés moyen-orientales à partir des deux axes proposés pour le dernier Synode des Evêques pour le Moyen-Orient: communion et témoignage. 4. يسعدنا أيضاً أن يكون قد عُقد أمس مؤتمر آخر في باريس في قصر Luxembourg، نظّمه المركز الماروني للتوثيق والأبحاث – فرع فرنسا، بعنوان: "فرنسا والموارنة". وقد شارك فيه رئيس هذا المركز سيادة أخينا المطران سمير مظلوم، النائب البطريركي والزائر الرسولي في أوروبا. تناول الموضوع علاقات الموارنة بمسيحيي الشرق، وفرنسا، والحداثة، والانتشار العالمي. 5. ولا يسعني، فيما نشكر الله وأمَّنا مريم العذراء، سيدةَ لبنان وأمَّ الكنيسة، على كلِّ هذه المناسبات الغنيّة بالنِعم والخير، إلاّ أنْ نرفعَ أيضاً ذبيحةَ الشكر على المؤتمر العشرين لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك الذي عُقدَ طيلة الأسبوع الفائت في هذا الكرسي البطريركي. فوضعنا مع أصحاب الغبطة البطاركة خطةً للعمل بتوصيات جمعية سينودس الأساقفة الخاصّة بالشرق الأوسط، التي دعا إليها قداسةُ البابا بندكتوس السادس عشر، وعُقدت في روما برئاسته في شهر تشرين الأول من السنة الماضية 2010. تناولت الخطّة على الأخصّ شؤوناً تتعلّق بعقد مؤتمر عام للعلمانيين في لبنان حول دورهم في حياة الكنيسة ورسالتها في بلدان الشرق الأوسط، وبراعوية السجون في هذه البلدان روحياً وإنسانياً واجتماعياً، وبتفعيل راعوية العائلة والمشاركة الفاعلة في اللقاء العالمي للعائلات مع قداسة البابا في مدينة ميلانو بإيطاليا في أواخر أيار المقبل 2012، وبتفعيل أنشطة هيئات التعليم المسيحي والتربية الدولية الكاثوليكية في بلدان الشرق الأوسط، فضلاً عن دور كنائسنا ورسالتها تجاه الأوضاع الراهنة وما تواجهه بلداننا من تغييرات ومطالبات محقّة. لكننا نبذنا وسيلة العنف في فرض الأمور، ودعونا إلى الحوار الهادئ والمسؤول، وإلى التماسك الداخلي في إجراء الاصلاحات الدستورية اللازمة، وإقرار الحريات المدنية والدينية، وتعزيز حقوق الانسان، وإدراج الممارسة الديموقراطية في الحكم. 6. وإننا نطلب أن تُرافقونا بصلوتكم، طيلة الأسبوع الطالع، بمناسبة انعقاد دورة مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، هنا في هذا الكرسي البطريركي، من غد الاثنين حتى السبت المقبل. تتناول الدورة موضوعاً كبيرَ الأهمية هو "الشبيبة: دورها وموقعها في حياة الكنيسة ورسالتُها في المجتمع". فانطلاقاً من واقع حال الشباب، نستطيع أن نُحدِّد موقعَها وبُعدَها الاجتماعي والوطني، لنخلص إلى نوعية تنشئتها. 7. بالعودة إلى موضوع هذا الأحد وفيه تذكار البشارة لمريم العذراء. نتأمّل في عهد الله الخلاصي ومسؤوليتِنا فيه كمؤمنين، ودورِنا في تحقيقه. إنَّ السيدة العذراء هي المثال بامتياز للانخراط في العهد الإلهي وتصميم الخلاص. فكانت أمَّ المخلّص يسوع المسيح، وشريكةَ الفداء مع ابنها بالجسد وابن الله بالطبيعة الالهية منذ الأزل، والمشاركة في وساطته الخلاصية الوحيدة بين الله والجنس البشري، والقدوةَ لكل إنسان في قداسة الذات والتجاوب مع النعمة الالهية. فكانت تحفةَ الخلق والفداء. وهي الطريق الهادي إلى الله لكلّ إنسان، وفيها ترى البشريةُ كلُّها معنى حجِّها على وجه الأرض إلى الحياة الجديدة. وهي النموذج في كيف أنَّ عظائم الله المكتومة منذ الدهور، تنكشف يوماً بعد يوم، وجيلاً بعد جيل، عبر كلِّ مؤمن ومؤمنة وعبر الجماعة الملتزمة بالصلاة والإيمان والرسالة. 8. ولنا في شخص الطوباوية الأم ماري ألفونسين مثالٌ وقدوة في انكشاف نوايا الله الخلاصية بواسطة أمِّ الإله العذراءِ مريم الكليةِ القداسة، سلطانةِ الورديةِ المقدّسة. بدأ هذا الإنكشاف من السيدة العذراء للراهبة ماري الفونسين سنة 1874 في بيتَ لحم، وظلَّت تلحّ عليها، على مدى سنين، لتؤسِّس رهبانية الوردية، وهذا ما جرى بمساعدة المؤسِّس الخوري يوسف يمين. فكانت "رهبانية الوردية" التي تستمدُّ روحانيتها وغايتها من تلاوة أسرار المسبحة الوردية، وهي مُختصرُ كلِّ الانجيل، والمدرسةُ الاساسية للتعرّف إلى سرّ المسيح ورؤية وجهه والسير على خطاه. فالشكر للراهبات على تلاوة الوردية كلَّ يوم، أفراداً وجماعةً، بكامل أسرارها في أديارهنَّ ومؤسساتهنَّ، لأنَّ نعماً كثيرة تُفاضُ على الكنيسة والبشرية بفضلها. إنَّ مَن يُصلّي المسبحة الوردية التأملية التي هي سَيرٌ على خُطى المسيح، بهديِ مريم أمهِ وأمنا، يتّصف بأخلاقيةِ يسوع المسيح التي دعا إليها بولس الرسول في رسالته لأهل فيلبي، ولنا اليوم: "تخلّقوا بأخلاق المسيح يسوع، فمع أنه في صورة الله، لمْ يعدّْ مساواتَه لله غنيمة، بل أخلى ذاته، مُتَّخذاً صورة العبد، وصار على مثال البشر، وظهر في هيئة إنسان، واضع نفسه وأطاع حتى الموت، موتِ الصليب، ولذلك رفعه الله إلى العلى..."(فيل 2: 5-9). إنها أخلاقيةُ التواضعِ والبساطة والصمتِ والطاعة لإرادة الله والمساهمة في عمل الخلاص بالخدمةِ والمحبة. هذه صفاتٌ تحلّتْ بها الطوباويةُ الأمُّ ماري ألفونسين، وتركتها إرثاً ومثالاً لراهبات الوردية، لكي تتحلَّين بها شخصياً وجماعياً، وتنقلْنَها عبر مؤسساتهنَّ الراعوية والتربوية والاستشفائية والاجتماعية والمهنية، في لبنان والأراضي المقدّسة وبلدان الشرق الأوسط. 9. في تذكار البشارة لمريم والأمانة للعهد بين الله والبشر، نصلّي من أجل الأزواج لكي يحافظوا على عهد الزواج الذي قطعوه مع الله ليؤلِّفوا جماعة حبٍّ وحياة على مثال الثالوث الأقدس، ليحافظوا على رباط الزواج الأبدي على مثال اتحاد المسيح بالكنيسة، ويسعد الواحد والآخر، وليلتزموا بنقل الحياة البشرية وتربيتها. ونصلّي من أجل المكرَّسين والمكرَّسات بعهد النذور الرهبانية، ليظلّوا أمناء في عيش العفّة والفقر والطاعة بالسير على خطى المسيح على طريق المحبة الكاملة. ونصلّي أيضاً من أجل المسؤولين في لبنان لكي يحافظوا على العهد الذي قطعه المسيحيون والمسلمون بالميثاق الوطني بأن يُحققوا العيش المشترك على أساس المساواة والمشاركة في الحكم والإدارة والاحترام المتبادل والتعاون البناء. وأخيراً، فلنجدِّد محبّتنا لأمنا العذراء، موكلين إليها حياتنا وعائلاتنا ولبنان وسائر بلدان الشرق الأوسط، سائلينها الهداية إلى معرفة وجه يسوع على وقع نشيد الأم ألفونسين:
ومعاً نرفع آيات المجد والشكران للآب والابن والروح القدس إلى الأبد، آمين.
|