القديسون الموارنة

الطُوباوِيِّ يَعْقوبَ الكَبُّوشِيّ (26 حزيران)
saints photos

وُلِدَ خَلِيلُ بْنُ بُطْرُسَ صَالِح حَدَّاد وَشَمْس يُواكِيم حَدَّاد، في بَلْدَةِ غَزِير، قَضَاءِ كِسْروان، في 1 شُبَاطَ 1875، وقَبِلَ سِرَّ العِمَادِ في كَنِيسَةِ سَيِّدَةِ الْحَبَشِيَّة في 21 شُبَاطَ مِنَ السَّنَةِ ذاتِهَا، وتَثَبَّتَ عَلَى يَدِ الْمُطرانِ يُوحَنَّا الحاج في 9 شُبَاطَ سَنَةَ 1881. تَرَعْرَعَ في عائِلَةٍ تَمَيَّزَتْ بِالتَّقوَى، ومَخَافَةِ الله، وقَدْ تَرَكَتْ أُمُّهُ أَثَرًا في نَفْسِهِ، تارِكَةً لَهُ مَسْبَحَتَها إِرْثًا ثَمِينًا، قَائِلَةً لَهُ: "يا ابْنِي، في ساعَةِ الشِّدَّةِ صَلِّ بِمَسْبَحَةِ أُمِّكَ". تابَعَ دُرُوسَهُ الأُوْلَى لَدَى الرُهْبانِ الكَبُّوشِيِّينَ في غَزِير، وفي مَدْرَسَةِ المزار، والِحكْمَةِ في بَيرُوت. بَعْدَهَا سافَرَ إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ ليُعَلِّمَ اللُّغَةَ العَرَبِيَّة، في مَدْرَسَةِ القِدِّيسِ مَرْقُسَ لإِخْوَةِ المَدارِسِ المَسِيحِيَّة. هُنَاكَ ناداهُ الرَبُّ للاِلْتِحاقِ بِرَهْبَنَةِ مار فْرَنْسِيس، مُتَأَثِّرًا بِفَقْرِ راهِبٍ فْرَنْسِيسكانِيٍّ شابّ، عِنْدَمَا رَآهُ مُسَجًّى في الكَنيسَة، فهَتَفَ: "أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا". عادَ إلى لُبْنانَ، وَدَخَلَ دَيرَ الابتداءِ في دَيْرِ مار أَنْطُونْيُوس - خَشْبَو- المُجاوِرِ لِبَلْدَتِهِ غزِير، مُصَرِّحًا: "دْخَلْتْ طَيِّبْ، ما بِطْلَعْ إلَّا مَيِّتْ". قَضَى فيهِ سِنِي الفلْسَفةِ واللاهُوت، وتمَيَّزَ بانْدِفاعِهِ في خِدْمَةِ إِخوَتِهِ الطُّلَّابِ الفَرَنْسِيِّينَ إِثْرَ إِصابَةِ الكثِيرينَ مِنْهُم بمَرَضِ التِيفوئِيد. إِنْتَقَلَ مَعَ الدَّارِسِينَ إلى بَلْدَةِ القْرَيَّةِ الْمُجاوِرَةِ لِبْحَمْدُون، وَسِيمَ كاهِنًا في 1 تشرين الثاني 1901.

كَلَّفَهُ الرُؤَساءُ بإِدارَةِ الْمَدَارِسِ الرِّيفِيَّة، فوَسَّعَ شَبَكَتَها حَتَّى بَلَغَتْ أَكثَرَ مِنْ 200 مَدْرَسَة، يُشْرِفُ عَلَيْها كَهَنَةُ الرَّعايا ومُدَرِّسُونَ انتَقَاهُم بِعِنايَةٍ لِقِيادَةِ النَّشْءِ الطَّالِع، وَرَكَّزَ عِنايَتَهُ عَلَى تَهْيِئَةِ الأَوْلادِ لِلقُرْبانَةِ الأُولى، ومِن كَلِماتِهِ المَأْثورَة: "إِزْرَعُوا بُرْشَانًا تَحْصُدُوا قِدِّيسِين". إِلى جانِبِ العِنايَةِ بِالمَدَارِس، صَبَّ جُهُودَهُ عَلَى نَشْرِ رَهْبانِيَّةِ مار فْرَنْسِيس لِلعِلمانِيِّين، وَهِيَ جَمْعِيَّةٌ التَزَمَتْ أَنْ تَعِيشَ وِفْقَ مَبادِئِ الإنجيل، بِدُونِ تَرْكِ العالَمِ والْحَياةِ العائِلِيَّة. لَمَّا نَشَبَتِ الْحَرْبُ العالَمِيَّةُ الأُولى (1914-1918)، ارْتَحَلَ الْمُرسَلُونَ الكَبُّوشِيُّونَ وسَلَّمُوا مَسؤُولِيَّةَ الرِّئاسَةِ لِلأَب يَعْقوب. قامَ بِهَا رَغْمَ ما عاناهُ مِنْ عَوَزٍ ومُضايَقَةٍ ومُلاحَقاتٍ إِذْ أُدْرِجَ اسْمُهُ في لائِحَةِ الْمَطْلُوبِ إِعدامُهُم.

مُنْذُ دُخُولِهِ الرَّهْبَنَة، كانَتْ تُراوِدُهُ فِكْرَةُ رَفْعِ صَلِيبٍ عَلَى إِحدى قِمَمِ لُبنان. فَبَدأَ بِمَشْرُوعِ صَلِيبِ جَلِّ الدِّيب 1921، وأَلْحَقَهُ بِمُؤَسَّسَةِ سَيِّدَةِ البَحْر. إِسْتَقْبَلَ فِيها سَنَة 1926 أَوَّلَ كاهنٍ عاجِز، سَلَّمَ العِنايَةَ بِهِ إِلى فَتَياتٍ كُنَّ نَواةً لِجَمْعِيَّةِ راهِباتِ الصَّلِيب. إِعْتَرَفَتْ بِها السُّلُطاتُ الكَنَسِيَّةُ في 8 كانون الأوَّل سنة 1930. نَصَبَ عَلَى تَلَّةِ دَيْرِ القَمَر صَلِيبًا جَبَّارًا، يُبارِكُ المِنْطَقَةَ وَلُبْنانَ كُلَّه. ووَسَّعَ نَشاطَهُ لِخِدْمَةِ الفُقَراءِ والأَكْثَرِ حِرْمانًا. وَزَرَعَ في مُختَلَفِ المَناطِقِ مُؤَسَّساتٍ خَيرِيَّة، مِنْ مدارِسَ لِلفُقَراء، ومَياتِمَ ومُسْتَشْفَيات، وغَيرِها مِن أَعْمالِ الرَّحْمَة، رافِضًا أَيَّ تَمْيِيز، مُتَّخِذًا شِعارًا لَهُ ولِبَناتِهِ راهباتِ الصَّلِيب: "تَشَبَّهُوا بِاليَنبُوع؛ لا يَسأَلُ العَطْشانَ قَبْلَ أَنْ يَسْقِيَهُ: مِنْ أَيِّ دِينٍ أَو بَلَدٍ أَنْت". سَهِرَ عَلَى تَدْرِيبِ بَناتِهِ عَلَى الحَياةِ الرُّهْبانِيَّةِ الصَّالِحَة، مُشَدِّدًا عَلَى خِدْمَةِ مَنْ هُم أَكْثَرُ حِرْمانًا، والَّذِينَ يَنْفُرُ مِنْهُمُ الشُّعُورُ البَشَرِيّ، قائِلًا: "مِنْ جِهَةِ المَبْدَأ، لا يُمْكِنُ أَنْ نَرْفُضَهُم لأنَّهُم إِخْوَتُنا وقَدْ أَوْصانَا المَسِيحُ بِهِم".

تَعَامَلَ بِإِخْلاصٍ مَعَ السُّلُطاتِ اللُّبْنانِيَّةِ والوِزاراتِ والبَلَدِيَّات، وكانَ نجاحُهُ الأَكْبَرُ في مُؤَسَّسَةِ دَيرِ الصَّلِيبِ لِمُعالَجَةِ الأَمْراضِ العَصَبِيَّةِ والنَّفْسِيَّة. تَمَيَّزَ بِرُوحِ الصَّلاةِ وبِإِكرامِ الصَّلِيبِ مُرَدِّدًا: "يا صَلِيبَ الرَبّ، يا حَبِيبَ القَلْب". أَحَبَّ وَطَنَهُ لُبنان، وكانَ عَلَى اتِّصَالٍ مَعَ رِجالاتِهِ، لكِنَّهُ كانَ يَخافُ وَيَتَأَلَّمُ مِنِ انْقِسامِ أَبنائِهِ: "ما في مَحَبِّه، ما في نَجاح". وكانَ آخِرُ إِنجازاتِهِ بِناءَ مَعْبَدِ المَسيحِ الْمَلِكِ سُلطانِ السَلاطِين، الَّذِينَ حَفَرُوا أَسماءَهُم عَلَى صُخُورِ نَهْرِ الكَلْب، وزالُوا، بَينما بَقِيَ مَلِكُ المُلُوكِ يُنادِي الشُّعوبَ إِلى الإخاءِ والعَودَةِ إِلى اللّه. كانَ سبَّاقًا في انْدِفاعِهِ لِتَكْرِيمِ القُرْبانِ المُقَدَّس، فَنَظَّمَ الزِّيَّاحاتِ وحَفَلاتِ القُربانَةِ الأُولى والأناشِيدَ الروحيَّة.

مَنْ يُطالِعُ عِظاتِ "أَبُونا يَعْقوب"، وقَد هَيَّأَها وَكَتَبَها بِخَطِّ يَدِهِ، وَهِيَ مَجموعَةٌ مِنْ 54 جِزْءًا، تقعُ في حَوالَى 8000 صفحة، تسْتَوْقِفُهُ بِصُورَةٍ بَدِيهِيَّةٍ طرِيقَةُ أَبُونا يَعْقوب المُمَيَّزَةُ والثابِتةُ في مُعالَجَتِهِ لِكُلِّ المَواضِيعِ عَلَى تَنَوُّعِها، فهُوَ يَسْتشْهِدُ دَومًا:

أَوَّلا:      بِالكُتُبِ المُقَدَّسَة، مِنَ العَهْدَينِ القَدِيمِ والجَدِيد.

ثانِيًا:      بِأَقْوالِ آباءِ الكنِيسَة، وحَياةِ القِدِّيسِينَ وَالقِدِّيسات، رُهْبانًا وَراهِبات.

ثالِثًا:      بِأَحْداثٍ تارِيخِيَّةٍ ماضِيَةٍ أَو مُعاصِرَة، حَفِظَها مِنْ مُطالَعاتِهِ لِكُتُبِ التارِيخ، ومِنْ واقِعِ اختِبارِهِ

الشَّخصِيّ.

كانَ الأَبُ يَعْقوبُ مَتِينَ البُنْيَة، لا يُوقِفُهُ الحَرُّ ولا البَرْدُ وَالثَّلْجُ، يَتَنَقَّلُ ماشِيًا بَينَ السَّاحِلِ والجُرْدِ لِلْوَعْظِ والإِرْشَادِ وتَفَقُّدِ بَناتِهِ ومَشارِيعِه. حَلَّتْ بِهِ أَمْراضٌ عَدِيدَةٌ وأَشَدُّها فِقْدانُ البَصَر. ووَصَفَ نَفْسَه: "مُستَشْفى مُتَجَوِّلًا"، إِلَى أَنْ لَوى تَحتَ وَطْأَةِ سَرَطانِ الدَّم، فَرَحَلَ إِلى جِوارِ رَبِّهِ يَومَ السَّبْتِ 26 حُزَيْرانَ 1956، السّاعةَ الثَّالثةَ بَعْدَ الظُّهْر، يَومَ سَيِّدَتِهِ العَذْراء، وغَداةَ عِيدِ حَبِيبِهِ قَلبِ يَسُوع. وبما أنَّهُ كانَ ابْنًا مُحِبًّا لِلعَذْراءِ مَرْيَم، تَمَنَّى أَنْ تُدْفَنَ صُورَتُها في مَثْواهُ الأَخِير. تَمَّتْ مَراحِلُ تَطْوِيبِهِ بِنَجاح. فَأَعْلَنَتْهُ الكَنيسةُ طُوباويًّا ضِمْنَ احْتِفالٍ جَرَى في بَيْرُوت، عاصِمَةِ لُبنان، وأُحْصِيَ بَيْنَ الطُّوباوِيِّينَ بِتَارِيخِ 22 حُزَيْرانَ 2008. صَلاتُهُ مَعَنَا. آمين.