القديسون الموارنة

القِدِّيسُ سِمْعَانُ العَمُودِيُّ الكَبِيرُ تِلْمِيذُ القِدِّيسِ مَارُون (1 أيلول)
saints photos

إِنَّ البَارَّ سِمْعَانَ العَمُودِيَّ الكَبِير، الذِي تُعَيِّدُ لَهُ الكَنِيسَةُ البِيزَنْطِيَّةُ في الأَوَّلِ مِنْ شَهْرِ أَيْلُول، هُوَ غَيْرُ سِمْعَانَ العَمُودِيِّ البَارِّ الذِي مِنَ الجَبَلِ العَجِيب. فَالأَوَّلُ قَدْ رَقَدَ بِالرَبِّ سَنَةَ 459، والأَخِيرُ حَوالَى العَامِ 592، لَكِنَّ الاثْنَيْنِ نَسَكَا في مِنْطَقَةٍ جُغْرافِيَّةٍ واحِدَة، فَسَلَكَ الثَاني في خُطَى الأَوَّل. ومَعَ مُرُورِ الزَمَن، إِرْتَبَطَ في ذِهْنِ المُؤْمِنِين ذِكْرُ الواحِدِ بِذِكْرِ الآخَر، حَتَّى إِنَّ الإِيقُونَةَ تُصَوِّرُهُمَا، أَحْيَانًا، مَعًا. وإِلَى جَانِبِ هَذَيْنِ البَارَّينِ هُنَاكَ شَخْصٌ ثَالِثٌ ٱسْمُهُ سِمْعَانُ كَانَ قَدْ نَسَكَ عَلَى عَمُودٍ هُوَ أَيْضًا. هَذا الأَخِيرُ لا نَعْرِفُ مَتَى رَقَدَ في الرَبّ، لَكِنَّ السِنَكْسَارَ اليُونَانيَّ يَجْعَلُ عِيْدَهُ في 27 نَيْسَان، فِيْمَا عِيْدُ سِمْعَانَ العَجِيبِ هُوَ في 24 أَيَّار. ولِلتَمْيِيْزِ بَيْنَ الثَلاثَةِ يُعَرَّفُ عَنِ الأَوَّلِ بِ "الكَبِير"، وعَنِ الثَاني بِ "العَجِيب" أَوِ "العَجَائِبي" وعَنِ الثَالِثِ ب "الصَغِير".

فَسِمْعَانُ الكَبِير، هُوَ تِلْمِيذُ مَار مَارُون، وُلِدَ سَنَةَ 390 في قَرْيَةِ سِيْرَا عَلَى الحُدُودِ الواقِعَةِ بَيْنَ بِلادِ قُورُشَ - سُورِيَّا وكِيلِيكْيَا - تُرْكِيَّا. كَانَ يَرْعَى غَنَمَ أَبِيهِ. ومُنْذُ حَداثَتِهِ كَانَ رَصِينًا هَادِئًا مُتَعَشِّقًا الفَضِيلَةَ ولا سِيَّمَا الطَهَارَة. بَعْدَ وَفَاةِ والِدَيْهِ زَهِدَ في الدُنْيَا وتَرَكَ ثَرْوَتَهُ لإِخْوَتِهِ ولِلْفُقَراء، وبَعْدَمَا عَاشَ مُدَّةَ عَامَيْنِ مَعَ بَعْضِ النُسَّاكِ في الجِوار، إِلتَحَقَ بِتِيُودُورِيتُسَ مُدَّةَ عَشْرَةِ أَعْوام، عَاكِفًا عَلَى دَرْسِ الحَيَاةِ النُسْكِيَّةِ ومُمَارَسَتِهَا بِكُلِّ دِقَّةٍ ونَشَاط. وَوَجَدَ في سَفْحِ الجَبَلِ لَهُ بَيْتًا قَضَى فِيهِ ثَلاثَ سَنَواتٍ مَحْبُوسًا. وبَعْدَهَا أَوْحَى اللهُ إلَيْهِ بِأَنْ يُقِيمَ فَوْقَ عَمُودٍ مُعَرَّضًا لِحَرِّ الصَيْفِ وبَرْدِ الشِتَاءِ لِيُمَارِسَ فَوْقَهُ الصَلَواتِ والإِمَاتَات. إِرْتَقَى عَمُودًا ارْتِفَاعُهُ سِتَّةُ أَذْرُع، ثُمَّ اثْنَا عَشَرَ ذِراعًا، وبَعْدَ ذَلِكَ اثْنَانِ وعِشْرُونَ ذِراعًا، وأَخِيرًا سِتَّةٌ وثَلاثُونَ ذِراعًا، كَمَنْ يَصْبُو إِلَى السَمَاء، ويَرْجُو الانْتِقَالَ مِنَ هَذِهِ الحَيَاةِ الأَرْضِيَّة. قَيَّدَ نَفْسَهُ بِالسَلاسِل، وبَقِيَ عُرْضَةً لأَقْسَى التَقَلُّبَاتِ الطَقْسِيَّة، فَكَانَ فَرِيدًا بَيْنَ سَائِرِ البَشَرِ في مَا احْتَمَلَهُ مِنْ مَشَقَّاتٍ مِنْ جَرَّاءِ أَشِعَّةِ الشَمْسِ المُحْرِقَة، وجَلِيدِ الشِتَاء، وهُبُوبِ الرِيَاحِ العَاصِفَة، رَغْمَ طَبِيعَتِهِ البَشَرِيَّةِ الهَزِيلَة؛ فأَصْبَحَ مَكَانُهُ مَحَجًّا لِلزُوَّار، وتَابَ عَلَى يَدِهِ جَمْعٌ غَفِير، وعَلَى يَدِهِ تَعَمَّدَ العَدِيدُ مِنَ الوَثَنِيِّين. إِنْتَشَرَ صِيْتُ قَداسَتِهِ ونَمَطُ عِيْشَتِهِ في الشَرْقِ والغَرْب. ويُرْوَى أَنَّ النُسَّاكَ طَلَبُوا مِنْ رَئِيسِهِ أَنْ يَمْتَحِنَ طَاعَتَهُ، فَأَمَرَهُ بِالنُزُولِ عَنْ عَمُودِهِ، فَمَا كَانَ مِنْ سِمْعَانَ إِلَّا أَنِ امْتَثَلَ لِلْأَمْر. فَازْدادُوا احْتِرامًا لَهُ وإِعْجَابًا بِقَدَاسَتِهِ. عَاشَ سِمْعَانُ عَلَى عَمُودِهِ ثَلاثِينَ سَنَة، بِطَرِيقَتِهِ المُسْتَغْرَبَةِ التي تَحَارُ فِيهَا العُقُول، ولَوْلَا المُسْتَنَداتُ التَارِيخِيَّةُ التي تُؤَيِّدُهَا ولا سِيَّمَا مَا كَتَبَهُ المُؤَرِّخُ الشَهِيرُ تِيُودُورِيتُسُ المُعَاصِرُ لَهُ وغَيْرُهُ مِنَ الكَتَبَةِ التُقَاة، لَمَا كُنَّا نُصَدِّقُ تَارِيخَ حَيَاتِهِ العَجِيب. ورَقَدَ هَذا المُجَاهِدُ العَظِيمُ في الأَوَّلِ مِنْ أَيْلُولَ عَامَ 459، ولَهُ مِنَ العُمْرِ 69 سَنَة. ونُقِلُ جُثْمَانُهُ الطَاهِرُ إِلَى مَدِينَةِ أَنْطَاكْيَةَ في مَوْكِبٍ حَافِل، مَشَتْ فِيهِ الجَمَاهِيرُ مَعَ الأَسَاقِفَةِ والإِكْلِيرُوسِ وكَوْكَبَةٍ مِنَ العَسَاكِرِ المَلَكِيَّة، ودُفِنَ في الكَنِيسَة. وقَدْ أَجْرَى اللهُ عَلَى يَدِهِ في حَيَاتِهِ وبَعْدَ مَمَاتِهِ عَجَائِبَ لا تُحْصَى، وبَقِيَ عَمُودُهُ يَفُوحُ بِرائِحَةٍ عَطِرَةٍ مُدَّةً طَوِيلَة، وأَصْبَحَ مَزارًا شَهِيرًا حَيْثُ بَنَى الرُهْبَانُ دَيْرًا وكَنِيسَةً فَخْمَة. وذُكِر أَنَّهُ هُوَ الذِي أَرْسَلَ إِلَى قُرَى شَمَالي لُبْنَان، وكَانَتْ وُحُوشٌ تَفْتَرِسُ أَهْلَهَا، مَنْ عَمَّدَهُم، وأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْسُمُوا سَبْعَةَ صُلْبَانٍ حَوْلَ كُلِّ قَرْيَة، فَنَجَوا. وكَانَ أُوْلَئِكَ مِنَ المَوارِنَةِ الأَوائِلِ المُقِيمِينَ الأَصْلِيِّينَ في لُبْنَان. وقَدْ بُنِيَتْ عَلَى اسْمِهِ كَاتِدْرائِيَّةٌ كَبِيرَةٌ في حَلَب - سُورِيَّا، عَلَى شَكْلِ صَلِيب، وتُعْرَفُ اليَوْمَ بِاسْمِ "قَلْعَةِ سِمْعَان"، لا زالَتْ مُعْظَمُ جُدْرانِهَا قَائِمَةً إِلَى اليَوْم، كما العَدِيدُ مِنَ الكنَائِسِ وَالأَديارِ في لُبنان: أَيْطُو، القليعات، بشَرِّي، أَرْدِه، بْقِرْقاشا ... صَلاتُهُ مَعَنَا. آمين.